شرح قصيدة ابتهالات للشاعر بدوي الجبل، محمد سليمان الأحمد (1903 - 19 أغسطس 1981) الملقب ببدوي الجبل، شاعر وسياسي سوري ولد في قرية ديفة في محافظة اللاذقية، سوريا، وأحد أعلام الشعر العربي في القرن العشرين، والده هو الشيخ سليمان الأحمد (عضو مجمع اللغة العربية في دمشق وشارح ديوان المكزون)، وأبناؤه: منير، أحمد، الأستاذ عدنان، وله بنت واسمها جهينة توفاها الله في مقتبل العمر.
لقب «بدوي الجبل» لقب أطلقه عليه يوسف العيسى صاحب جريدة «ألف باء» الدمشقية في عشرينيات القرن الماضي، وحيث دخلُ الشاعرُ الشاب إلى مكتب رئيس التحرير محتجاً على تذييل قصيدته بغير اسمه، فيقنعه “عيسى” بأن الناس يقرأون للشعراء المعروفين وأنه ليس مشهوراً بعد، بينما سيدفعهم الاسم المستعار إلى قراءة الشعر للشعر والتساؤل عن حقيقة كاتبه! «أنت في ديباجتك بداوة وأنت ابن الجبل» بهذه الكلمات وُلِدَ لقب “بدوي الجبل” كما يروي “عزيز نصار” في كتابه “بدوي الجبل ذاكرة الأمة والوطن”.
قصيدة ابتهالات للشاعر بدوي الجبل
بدوي الجبل انغمس في حقل السياسة فانتخب نائباً في مجلس الشعب السوري 19377 وأعيد انتخابه عدة مرات ثم تولى عدة وزارات منها الصحة 1954 والدعاية والأنباء، غادر سوريا 1956 متنقلاً بين لبنان وتركيا وتونس قبل أن يستقر في سويسرا، ثم عاد إلى سوريا 1962 وبقي فيها حتى توفي يوم 19 أغسطس سنة 1981. كان من أنصار الرئيس شكري القوتلي، مدح الفرنسيين ثم ذمهم، هاجم حزب البعث أثناء هزيمة حزيران كما أشاد بأبطال سوريين مثل إبراهيم هنانو ويوسف العظمة، ونقدم لكم ابيات قصيدة ابتهالات للشاعر بدوي الجبل وهي كالتالي:
لا الغوطتان و لا الشباب أدعو هواي فلا أجاب
أين الشام من البحيرة و المآذن و القباب
و قبور إخواني و ما أبقى من السيف الضراب
الصامتات و للطيور على مشارفها اصطخاب
الغافيات فلم ترع منها الزماجر و الوثاب
أشتاق أحضنها و ألثمها و للدمع انسكاب
تحنو الدموع على القبور فتورق الصمّ الصلاب
و لها إلينا لهفة و لطول غربتنا انتحاب
يا شام : يا لدة الخلود و ضمّ مجدكما انتساب
من لي بنزر من ثراك و قد ألحّ بي اغتراب
فأشمّه و كأنّه لعس النواهد و الملاب
و أضمّه فترى الجواهر كيف يكتنز التراب
هذا الأديم شمائل غرّ و أحلام عذاب
و أمومة و طفولة و رؤى كما عبر الشهاب
و تحيّة مسكيّة من سالفين هووا و غابوا
و من الأبوّة و الجدود لأهل ودّهم خطاب
هذا الأديم أبي و أمّي و البداية و المآب
و وسائدي و قلائدي و دمى الطّفولة و السخاب
ودد يباع له الوقار و لا ندامة و الصواب
أغلى عليّ من النجوم و لا ألام و لا أعاب
الروح من غيب السماء و منك قد نسج الإهاب
أشتاق شمسك و الضحى أنا و البحيرة و الضباب
و مضفّرات بالثلوج كأنّما نصل الخضاب
تعوي الرّياح فما القساور في الفلاة و ما الذئاب
و الثلج جنّ فلم تبن سبل و لم تعرف شعاب
أخفى المعالم لا السفوح هي السفوح و لا الهضاب
يا شمس غبت فكيف تمّ ? و لا طلوع لك ? الغياب
إن كنت مسلمة الهوى فتألّقي رفع الحجاب
ملّ السحاب من السماء وقرّ في الأرض السحاب
و كأنّ ملء الأرض ملء الأفق آلهة غضاب
حسن يهاب و ما سما حسن يحبّ و لا يهاب
دوح البحيرة أين سامرك المعطّر و الشراب
و الراقصون ونوا فحين دعاهم النغم ، استجابوا
و القاطفون شفاههم كورودهم حمر رطاب
ثغر على ثغر . تسرّب فيه ، فاختلط الرضاب
قبل ، أغاريد الشفاه فتستعاد و تستطاب
و تكاد تقطف كالرّياحين المجانة و الدعاب
أهي العقود على الرّقاب بل المعاصم و الرقاب
بيني و بين الدوح في أحزانه النسب القراب
من كلّ موحشة فأين الطيب و الوهج المذاب
و غدا يعود لك الشباب و لن يعود لي الشباب
الدّهر ملك يمينه و الشمس من يسراه قاب
طابت سلافته تدار على سكارها و طابوا
لهفي عليه فطالما أشقاه لوم و اغتياب
نعم الملائك بالشباب فما لنعمته استلاب
و يزورنا لمع البروق فما للامعه اصطحاب
و العمر أيام قد اختصرت و آمال رحاب
ليت الملائك يشفقون على الألى عبثوا و خابوا
قدر تعجّل أن نعاقب مؤمنين و أن يثابوا
عد يا شباب و لن أطامن من جماحك يا شباب
في غربة أنا و الإباء المرّ و الأدب اللباب
كالسيف حلّته الفتوح و ربّما بلي القراب
طود أشمّ فكيف ترشقني السّهام و لا أصاب
يخفي البغاث فلا تلمّ به و لا يخفى العقاب
الكبر عندي للعظيم إذ تكبّر لا العتاب
عندي له زهد يدلّ على الكواكب و اجتناب
يزهو الكريم و قلبه قطع تمزّقها الحراب
أغلى المروءة شيمة طبعت و أرخصها اكتساب
أنا ما عتبت على الصحاب فليس في الدنيا صحاب
خرس و لكن قد تفاصحت الخواتم و الثياب
عقمت مروءتهم و تطمع أن يدغدغها احتلاب
و اعفّ عن سبّ اللئيم و ربّما نبل السباب
حيّا فبشر سلامه نزر و بسمته اغتصاب
يا من يمنّ بودّه و الشهد . حين يمنّ ? صاب
أنا كالمسافر لاح لي أيك و أغرتني قباب
و تفتّحت حولي الرياض الخضر و اصطفق العباب
و وثقت أنّ النهر ملك يدي ففاجأني السراب
أنا لا أرجّي غير جبّار السماء و لا أهاب
بيني و بين الله من ثقتي بلطف الله باب
أبدا ألوذ به و تعرفني الأرائك و الرّحاب
لي عنده من أدمعي كنز تضيق به العياب
يا ربّ : بابك لا يردّ اللائذين به حجاب
مفتاحه بيديّ يقين لا يلمّ به ارتياب
و محبّة لك لا تكدّر بالرّياء و لا تشاب
و عبادة لا الحشر أملاها عليّ و لا الحساب
وإذا سألت عن الذنوب فإن ّ أدمعي الجواب
هي في يميني حين أبسطها لرحمتك الكتاب
إنّي لأغبط عاكفين على الذنوب و ما أنابوا
لو لم يكونوا واثقين بعفوك الهاني لتابوا
منهم غدا لكنوز رحمتك اختطاف و انتهاب
و لهم غدا بيقينهم من فيء سدرتك اقتراب
و سقيت جنّتك الدموع فروّت النطف العذاب
و سكبت في نيرانك العبرات فابترد العذاب
تنهل في عدن فنوّر كوكب و نمت كعاب
قرّبتها زلفى هواك فلا الثواب و لا العقاب
أنت المرجّى لا تناخ بغير ساحتك الركاب
الأفق كأسك و النجوم الطافيات به حباب
أنا من بحارك قطرة مّما تحمّله الرباب
ألقى بها بعد السّفار فضمّها قفر يباب
ألبحر غايتها فلا واد يصدّ و لا عقاب
يا دمعة المزن اغتربت و شطّ أهلك و الجناب
حثّي خطاك فللفروع إلى أرومتها انجذاب
حثّي خطاك فشاهق يرقى و موحشة تجاب
ألبحر معدنك الأصيل و شوق روحك و الحباب
و غدا للجّته و إن بعدت يتمّ لك انسياب
أنا لا أطيل إذا ابتهلت و قد تحدّتني الصّعاب
لا أشتكي و بمهجتي ظفر يمزّقها و ناب
مسح الحياء على الدموع و أكرم الشكوى اقتضاب
تكفي ببابك وقفة و أسى تجمّل و اكتئاب
يا شام عطر سريرتي حبّ لجمرته التهاب
أنت اللبانة في الجوانح لا النوار و لا الرباب
لك مهجتي و قبولها منك الهديّة و الثواب
و النور في عيني و لا منّ عليك و لا كذاب
أنا من عرفت : تجلّد عند النوائب و احتساب
و لئن عثرت فربّما عثرت مجليّة عراب
يعيا بحقّك من يسوّفه و لا يعيا الطلاب
غالبت أشواقي إليك و يضرم الشوق الغلاب
و وددت لو عمرت رباك و ألف عامرة خراب
أنا طيرك الشادي و للأنغام من كبدي انسراب
سكبت أغاريدي و للأمواج زأر و احتراب
فصغت تسمعها الريّاح و قرّ في الموج اضطراب
أنا و الربيع مشرّدان و للشذا معنا ذهاب
لا الأيك بعد غيابنا غرد الطيوب و لا الرباب
و النور يسأل و الخمائل و الجمال متى الإياب ؟
شرح قصيدة ابتهالات للشاعر بدوي الجبل
من قصيدة (ابتهالات -ص72 من ديوانه) وقد نظمها في مغتربه في جنيف 1964م:
لا الغوطتان و لا الشباب أدعو هواي فلا أجاب
أين الشام من البحيرة و المآذن و القباب
و قبور إخواني و ما أبقى من السيف الضراب
الصامتات و للطيور على مشارفها اصطخاب
تحنو الدموع على القبور فتورق الصم الصلاب
يا شام يالدة الخلود وضم مجدكما انتساب
الشاعر في مغتربه بعيد عن الأهل والأحبة والديار بعيد عن الوطن وترابه..عن دمشق التي عشقها عشقاً صوفياً، وغناها أعذب ألحانه وقوافيه..بهذا تكون الغوطتان أولى استحضاراته المطلعية في قصيدة/ابتهالات/ ويكون الابتهال الأول فاتحته الغوطتان(الشرقية والغربية) ..الماء والظل والثمر والفلاح والهواء وسواقي بردى العذبة، وبالمحصلة كل جهات الوطن.
هذا في ايقاع جغرافية المكان، لكن في الأبعد والأشمل /دمشق/ عاصمة الدنيا، وعبق التاريخ ومجد الآراميين، وعاصمة حطين، كل ذلك ويزيد ينادي الشاعر شبابه وقد أمضى زهو شبابه في ربوع دمشق ..شاعراً ونائباً ووزيراً...لكن أين شبابه، وقد بدأ الأفول؟!
خطاب المكان استحضر كل أصيل وجوهري: الغوطتان..المآذن المشرعة من الأموي الى ابن عربي...الى قبور الأحبة من /يوسف العظمة/ وميسلون الى كل أبطال الاستقلال الوطني ، قبورهم الصامتة يظللها الأيك، وتشدو على أغصانها البلابل، وتحلق السنونو..تحنو الدموع اجلالاً، وتقديراً، فتخضر حجارة القبور، وتورق أصالة، وندى، وتذكاراً..أنت يا شام ندّ الخلود، وصنوه...كلاكما أنت والخلود من نبعة واحدة...ونسب نعتز بالانتماء اليه، إنه الوطنية، والأصالة، وعمق التاريخ.
هكذا أحضر البدوي/دمشق/ الوطن..المآذن والقباب رمز الايمان والعروبة..قبور الأحبة رمز الوفاء والتقدير، وعهد الصدق والعطاء والتواصل معهم، ومع قيمهم الاستقلالية والوطنية..كانت الدموع تعبير الداخل والقلب، وكان اخضرار حجارة القبور عنوان التلبية والاستجابة..ما زالت هذه القبور تعطي وتنبت قيم النضال، والمروءة والعطاء ونبراس الاقتداء.
في انتقال آخر من قصيدة ابتهالات يقول:
من لي بنزر من ثراك..وقد ألح بي اغتراب
هذا الأديم شمائل..غرّ...وأحلام..عِذاب
وأمومة، وطفولة ورؤى..كما عبر...الشهاب
وتحية مسكية من سالفين هووا...وغابوا
هذا الأديم أبي...وأمي...والبداية...والمآب
يطلب الشاعر حفنة من تراب وطنه...وقد ضج به الحنين، وأضنته الغربة، علّ هذا اللقاء مع بعض تراب الوطن يخفف ألم الغربة، والبعاد..هذا التراب هو القيم النبيلة، والشمائل الأصيلة وهو الأمل، والحلم العذب بوطن الخير، والجمال..إنه الأمومة وحنانها..الطفولة وبراءتها هو الرؤى والأحلام الوردية بآفاق منيرة.. هذا الأديم هو التحية، والسلام من كل الراحلين الأبطال الذين قضوا في ساحات الاستقلال والحرية...انه الأم، والأب..القدر والمصير البداية والمآل..الرجاء والإياب.
هكذا استحضر/بدوي الجبل/ تراب الوطن في ذاكرة الغربة، قيم الأمومة ووفاء القبور والشهداء، صور البداية، والأحلام الوردية..هي استحضارات المناقبية الوطنية، وتجلياتها العملية قيماً، وسلوكاً، وأخلاقاً ونضالاً من الولادة حتى القبور بداية ونهاية.
يعود الشاعر في انتقال آخر لنفسه لغربته ووحدته يقول:
في غربة أنا..والإباء المر...والأدب اللباب
كالسيف حلته الفتوح...وربما بلي القراب
طود أشم...فكيف ترشقني السهام ولا أصاب
يخفى البغاث فلا تلم به...ولا يخفى العُقاب
الكبر عندي للعظيم اذا تكبر..لا العتاب..
عندي له زهد...يدل على الكواكب واجتناب
أغلىالمروءة شيمة...طبعت وأرخصها اكتساب
الشاعر في غربته يلازمه إباؤه المر، وأدبه الرفيع...اختار المرارة مع الإباء ولم يختر المروءة مع الذل.. هو كالسيف أبلاه القراع، والمعارك.. بلي غمده..لكنه السيف في الأساس قيمة وحضوراً..هو الجبل الشامخ فكيف لا تصيبه السهام؟ يستحضر البغاث واختفاءه، والعقاب وتحليقه بالاسقاط الاجتماعي للدلالتين...الكبر والكبرياء للعظيم، والكبرياء هي الأنفة والإباء وليست التكبر والعجرفة والادعاء.
«هو الكبير الزاهد المتواضع..أفضل المروءات ما كانت طبعاً وسجية...ليست تصنعاً واكتساباً.
منظومة قيمية أخلاقية جديدة يطرحها الشاعر: الاباء المرّ، الأدب الرفيع، السيف الذي أبلاه القراع رمزاً للعراك وللجهاد...الجبل الشامخ..العقاب المحلق.. الكبر لا التكبر..مروءة الطبع سجية..لا تصنع، هذه المنظومة كلها تنتمي للجوهري، وللأصيل والمناقبي الباقي...للضمير وللشرف وللرفعة والمجد والعلا.. هكذا أحضر البدوي فلسفته وأفكاره وانتماءه.
أما في المناقبية الايمائية، والثقة بعدل الخالق فيقول في الابتهال التالي:
أنا لا أرجي غير جبار السماء..ولا أهاب
بيني، وبين الله من ثقتي...بلطف الله باب
أبداً ألوذ به...وتعرفني الأرائك والرحاب
لي عنده...من أدمعي كنز تضيق به العياب(1)
تتجلى إيمانية الشاعر وثقته بعدل الله فهو مؤمن متوكل علىربه وصدق يقينه، إيمانه كنز، هو ذخره واطمئنانه..هو متصالح مع نفسه...واثق من عدالة ربه، ولطفه لا يخشى سواه...هو الحفظ والرعاية والمجن...وكلنا في موقع الحاجة لعفو الله، ورحمته..إنها منظومة القيم الاسلامية الايمانية وتوابعها السلوكية،وهي أساس في فكرنا، وتراثنا ورسالتنا الانسانية، انها استحضارات القيم الايمانية وتمثلها في النفس والروح..
بقية شرح القصيدة تجدوها أسفل.